عبد الشافى محمد عبد اللطيف
76
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
* أهل يثرب والتحدي الكبير : أدى مصعب بن عمير مهمته بنجاح ، وعاد إلى مكة ليزف إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه بشرى ذلك النجاح وليخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأن يثرب عقدت العزم على الوقوف معه ، فهي لم تكتف بمجرد الإيمان به وأن تبقى بعيدا عن الصراع الدائر مع أهل مكة ، بل إنها على استعداد لنصرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وعلى استعداد لاستقباله فيها وبذل الأنفس والأموال في الدفاع عنه وعن دعوته ، وآية ذلك الوفد الكبير الذي ذهب إلى مكة عقب وصول مصعب إليها ، واتفق مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم على تفاصيل كل شيء فيما عرف ببيعة العقبة الثانية أو الكبرى ، وأغلب الظن أن هذه البيعة كانت تتويجا للمفاوضات السرية التي دارت بين مصعب وبين زعماء الأنصار أثناء وجوده في يثرب ، وأنه عاد إلى النبي بتقرير مفصل عن عزمهم نصرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وقبوله في بلدهم مهاجرا عظيما ، والذود عنه وعن دعوته ، وأن الرجال الذين شهدوا العقبة الثانية كانوا على يقين مما هم مقدمون عليه ، وعلى يقين كذلك من أن ما هم مقدمون عليه ، سيضعهم مع قريش في مواجهة مريرة وقاسية ، ولكن ما قريش وما عداوتها أمام ما فتح اللّه عليهم به من الخير والمجد والسيادة ؟ حيث اختارهم أنصارا لدينه وذادة عن نبيه ، وإذا كانت قريش قد استطاعت إلى ذلك الوقت أن تقف سدّا منيعا أمام الدعوة ، وإذا كان العرب الآخرون قد جاملوها ووقفوا على الحياد ، فإن يثرب قد تخلت عن هذا الموقف وسوف تحمل على عاتقها إنهاء معارضة قريش للدعوة ، وسوف تقف خلف قيادة الرسول لدحر كل من يتصدى له حتى ولو كانت قريش . وآية ذلك أنه أثناء المفاوضات بين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وبينهم في العقبة الثانية ، قال لهم العباس بن عبد المطلب - الذي لم يكن قد أسلم بعد ولكنه حضر مع النبي ليطمئن على مستقبله - : « يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هم على مثل رأينا فيه ، فهو في عز ومنعة في بلده ، وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه ؛ فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم ؛ فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده » . لم يخف على أهل يثرب مرمى كلام العباس بن عبد المطلب ، فقالوا له على الفور : « قد سمعنا ما قلت ، تكلم يا رسول اللّه فخذ لنفسك ولربك ما أحببت » ، فتكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى اللّه ورغّب في الإسلام ، ثم قال :